شعاع النور والأمل يعانق شمس الحرية .. 4

وبعد منتصف الشهر الأوّل من السنة الميلاديّة الجديدة ، جاء البِشر ليعمّ القلوب ويغمر الأبصار بالأنوار، أتى واحد منهم ليخبرهم بثورة التحرير ، ثورة الشعب ضد الظلم والاستبداد ، ضد القسوة والاستعباد ، ضد الفقر والاضطهاد .......... رجعوا بالزمن إلى الوراء فإذا بعرابي يقف وقفة الرجال ذو الهيبة والإباء ، رافعين راية الشموخ ضد الأعداء فرددوا بقلوبهم :
( لقد خلقنا الله أحراراً ولم يخلقنا تراثاً أو عقاراً ، فوالله الذي خلق السماوات والأرض ، لن نستعبد ولن نورّث بعد اليوم ).

نعم ، رددوها بقلوبهم ، ووعتها عقولهم ، أرسلوها لشفاهم فإذا بها تنطلق بالحق المبين ... وترفع الظلم عن المظلومين ... وتريق دماء الخونة والخائنين ....لتستبيح حياتهم ونفوذهم في كل حين.

رددوا كلمات صادقة نابعة من قلب أبناء النيل وأحفاد الفراعنة ، نهضوا بعِددهم وأدواتهم فإذا بهم يخلعون الشر من جذوره وينبتون الأمل وحب الوطن والتمسك بالدين ..... أسقطوا النظام القديم وأسسوا دولة الحرية لرفع الظلم والفساد وإرسال البسمة على وجوه الأطفال والأبطال والأحرار وبث الحركة في النفوس التي كادت تموت من الكبت والألم وخوف السنين..........

كان هناك معهم ، ينشد نشيد السلام ويرفع راية الإسلام ، يأبى الذل والهوان ، يرفض الاستسلام ، وكيف له ألا يرفض ذلك وهو ابن للبطل ، بطل أكتوبر المجيدة ، بطل خرج من الحرب العظيمة ، التي رفعت رأس العرب عامة والمصريين خاصة ، بذكرى يرفعها دائما وساما على جبينه ، وهي إعاقته الناتجة عن غدر صهاينة محتالين ، كانت تلك الإعاقة الجسدية سبيل النجاة من عار التخلف عن تلك الذكرى الخالدة.

لم يكتفِ البطل الأبي الباسل ذو الفؤاد المشيّع بذلك ، فلم تعقه قدمه المبتورة وجسده المشوّه من آثار الحرب عن مواصلة الكفاح مع الشعب العربي وفلسطين خاصة ، تزعّم حركة الكفاح ضد الخونة و الأعداء فكان يسافر إلى سيناء خفية لتوصيل السلاح والذخيرة للأشقاء في غزة ، كان يأمل أن يحرر القدس من تدنيس الصهاينة لها ، إنّهم خونة مزعزعون دائماً ، الطفل الصغير يخيفهم ، لا يملكون الجرأة على المواجهة فيغدرون بكل باسل أبي يرفض الذل والهوان ، قلوبهم سوداء وعيونهم عمياء.

إنّهم ملعونون دائماً ، عار على أرض المقدس أن يطؤوها .... لطالما تمنى أبو يحيى الصلاة في مكان صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء والمعراج ......
آاااه يا أولى القبلتين وثالث الحرمين ، لو أستطيع أن أفتديك بروحي ما تأخرت لحظةً عن ذلك وما ترددت أبدا ، ففلسطين هي أرض المحشر ... أرض الزيتون ... أرض السنابل و الإقحوان .... لن تترك بعد اليوم لعدو جاسر صهيوني يخربها ويدمرها كما يشاء ..... هذا كان رأي أبي يحيى حينما سألته زوجته عن مدافعته عن شجر الزيتون.

تعلم البطل ابن البطل ووعى الدرس جيداً ، تعلم أن الحق لا يضيع طالما وراءه مطالب ، فصاحب الحق قوي عزيز دائماً ، يرفض الظلم والباطل ويثور عليه ، لا يترك الأمر لرعديد ضعيف لا يملك الحق فيما يقول ، مهما طال السكوت ، ومهما سكنت الأرواح واختفت زفراتها سيأتي الأوان كي ترجع ثانيةً ويحين الوقت للإفاقة من الغفلة والنهوض ....

وهذا هو حال الشعب المصري دائماً ... فمهما طالت فترة صموده حتى ظن العالَم أنّه قد رضي بالأمر الواقع واستسلم ، انقضّ فجأةً وأشعل شمع الحريّةِ ليبدد الظلام وينشر النور ، ينتفض من سكونه ، ينهض أبو الهول من مكانه عاقداً العزم على الانتصار للكرامة والثأر للعزة والحرية ......
وكيف لا يكون ذلك وهو من قال فيهم خير الورى : ( ... فذلك الجند خير أجناد الأرض إلى يوم القيامة ) ، كما أخبرنا أن له في مصر نسباً ( مرتبط بسيدنا إبراهيم أبو الأنبياء ) وصهراً ( لزواجه من السيدة مارية القبطية ).... فصدق القائل أنهم في رباط دائم إلى يوم القيامة....

تولّى يحيى الأمر وأخذ يجمع الحشود حوله ، كان نشيطاً لدرجةٍ لا تصدق ، لم يكن يعلم أقرباؤه ولا جيرانه أنّ لديه كل تلك الهمّة ، أهذا هو يحيى؟ الفتى الكسول؟! ...... أكل الهمّة والنشاط يخرج منه هو؟!....
لم يكن الأمر كما توقع الكثيرون ، لم يكن مجرّد فوضى وتفريج عن النفس كما ادّعى السلاجقة الموهومين ، لقد كان الأمر رائعاً ، كانت ثورة أبطال وشهداء ، ثورة حياة ونداء ..... نداء للحرية أن آن أوانكِ الآن ، الآن جاء دورك ... لم يعد للخوف مكان ، ولا للظلم أمان ..........

رفع الثوّار الشعار ضد الظلم وكبت الحريّات ، لا مكان لا وطن لهم بين الشمس والنور وهم أهل الظلام ، بين الحب والود وهم أهل الكره والعناد ، بين الألفة واجتماع القلوب على الإيمان وهم أهل الفساد طردوه بقلوبهم ، ورددت ألسنتهم: مكانك ليس هنا ، ارحل عن أرضنا ، واتركنا في أفراحنا وأحزاننا ..........

تولى يحيى المسؤوليّة ، وحمل على عاتقه الكثير من الأعباء ، ولكنه بطل وابن بطل ، ظل يناضل ويجاهد في التحرير استمرّ الحال أسبوعاً كاملاً يصول ويجول في أرض الميدان كخالد بن الوليد الأسد الشجاع والبطل الهمام المغوار ، وهو يغدو ويروح متردداً على بيته ، يطلب الدعاء من والديه ويستشيرهم في ما يحدث ، لم يبت في منزله ولو لليلة واحدة طيلة هذا الأسبوع ، مرت عليه الأيّام بحلوها ومرّها حتى أنّه لم يتذكّر أنّه نام طيلة هذا الأسبوع إلا ساعات معدودة.

كانت السعادة تبدو على وجهه ... الفرح والسرور يضفيان النور على جبينه ... ثمّة بقعة سمراء في أعلى منتصف جبينه تضفي عليه الوقار والاحترام ... كانت الأيام التي يعيشها أشبه بحلم جميل لا يريد الخلاص منه ما حُيِيَ ، ظل يساعد هذا ويقف إلى جوار ذاك ، ينظّم الحملات ويكتب المقولات ، تستضيفه القنوات وتجري معه الصحف والمجلات اللقاءات ، لم يكن يفرغ ليل نهار من كل ذلك ، كانت ساعات الرّاحة بالنسبة له تكمن في لقائه لوالديه ، يشعر معهم بالأمان والأمل ، يقوياه على ما يقوم به من عمل فدائي يستحق عليه الشكر والعرفان ، يعيناه على تحمل الأعباء التي أُلقيت على عاتقيه دون أن يعرف من أين أتت ، وهل لأحد أن يرفض الحمول التي تحمّلها بلده له؟......

كان رافعاً شعار الساكت عن الحق شيطان أخرس ، وهذا ما أعانه على تحمل المشقّات وقطع الفيافي والقفار من أجل الوصول إلى نقطة الماء التي تروي عطشه و بها ينال مراده.
رفع راية الجهاد وأنزل الراية البيضاء ، كان يصلّي شكراً لله لأنّه هداه إلى الصواب بعد الضلال ، إلى العزة بعد الذل ، والكر بعد الفر ، يكاد قلبه يطير فرحاً وهو يترأّس أقرانه وقرنائه ، لم يطعم الزاد إلا شربة الماء وبعض التمر.

كانت حياته مليئةً بما يستحق التقدير والتقديس أكثر مما هو متاع زائل ، وهل هناك شرف يضاهي ويماثل شرف فداء الوطن بالروح والنفس والوقت ؟!........
أخذ يحدّث نفسه ، يذكر كل يوم حاله القديمة فيسخط عليه ويزداد إيماناً بالقضيّة التي يدافع عنها ، كلّما تذكّر ماضيه أسرع لينجز شيء مشرّف يلقى به ربّه يوم القيامة فخوراً بحسن صنيعه.

الحمد لله أنني الآن في صفوف النبلاء ، لقد كان الوقت مناسباً تماماً للعودة ، كم أنتً كريم يا الله يا لكرمك يا خالق البريّة والأنام .... ومبدع الخلق والأكوان.
لو كنت أطّلع على غيبي لاخترت واقعي ، فهو سبيل النجاة من الكثير من الصعاب والأهوال ..... الآن وبعد أن عرفت قيمة الإنسان في مجتمعه لا يمكنني أن أستهتر بأي قوّةٍ بشريّةٍ مهما حدث ، فالاستهانة بالشيء مهما كان صغيراٍ تكلف الإنسان ما لا يستطيع تحمله من الأعباء.

وفي نهاية الأسبوع الثاني ، وتحيداً يوم الخميس ، استأذن الشاب البطل من أحد أصدقائه في الميدان ، طالباً رؤية أهله ، فسمح له بذلك وأخذ مكانه.

-         أمّي ، سأقضي الليلة في المنزل ، فأنا أشتاق لحديثكِ كثيراً.
-         ( في صوت مرتجف ) حسنا يا نور عيني ، وأنا أيضاً أريد التحدّث معك.

( تخفي الأم في صدرها شيئاً ما ، ولكنّها تبعد القلق وتطمئن نفسها بصلاةِ ركعتين لتهدأ روحها ، أمّا يحيى ،فقد ذهب إلى والده يطمئنّ عليه ويقبّل جبينه ويديه ، تحدثا معا لفترة ليست بالقليلة ومن ثمّ ذهب إلى إخوته وإخوانه الصغار ، أخذ يحدّثهم عن البطولة والشجاعة والشجعان ، كانت تلك الليلة من الليالي المعدودة التي يقرأ فيها الأخ البِكري قصصاً لإخوته قبيل النوم منذ رجوعه من السّفر. )
كان شديد التعلّق بوالدته فذهب إليها ليسامرها ، ولكن .... لم تكن نبع الحنان في مكانها ، أين هي إذن؟! أخذ الابن البار يبحث عنها هنا وهناك ..... وأخيراً اهتدى إليها في غرفته ، كانت تنظّم له ملابسه التي سيلبسها غداً ، وأخذا يتسامران:

-         دعي عنكِ هذا يا أمّاه ، سأرتّب الملابس بنفسي.
-    دعني فقط أرتّب تلك الثياب ، فقد اشتريتها خصيصا لك ويجب عليك أن تلبسها غداً ( تحاول أن تخفي دموعها وتكتم الحزن في أعماق نفسها ).
-         إذن لنتسامر الآن قليلاً.

( تجلس الأم على سرير ولدها ويضع رأسه على حجرها كما كان يفعل وهو طفلاً صغيراً ، تلعب الأم في شعر صغيرها وكأنّها تمشّطه ويتحدّثان في أمور كثيرة وفجأة ).

-    الجنّة ! زاد الشوق لها وطال ، إنّها منية القلب ورجاء كلّ مسلم ، ولكن كيف السبيل إليها؟ .... ترى هل لي أن أراها يا أمي؟ أعدك أنني سأشفع لكِ و لأبي وإخوتي لو مت شهيداً.
( تبلّل دموع الأم وجه فلذة كبدها ، فيشعر أنّ أمّه تخبئ شيئاً ما بداخلها ).

-    أمّي ، لا تحزني ،فالشهيد لا يموت أبداً ، بل هو حي يرزق عند الله تعالى وفي الفردوس الأعلى ، ومع ذلك ، لا تقلقي عمر الشقي بقي  ..... ههههههههه
-         لا عليك يا بني ، نم أنتَ الآن فغداً يوم المتاعب ، خذ قسطاً من الراحة الآن حتى تجيب نداء الفجر.

( تشعر الأم بالفراق ، قلبها معلق مع ابنها ولكن لا يمكنها الفرار من قضاء الله وقدره ، فالقدر واقع لا محالة وهل يمكن لأحدٍ ما أن يؤخّر ما كتب الله؟. )
شعاع النور والأمل يعانق شمس الحرية .. 4 شعاع النور والأمل يعانق شمس الحرية .. 4 Reviewed by Asya El-husseini on 2:27 ص Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

ads

يتم التشغيل بواسطة Blogger.