شعاع النور والأمل يعانق شمس الحرية

تحت شعاع القمر ، وفي طيات الليل الدامس وظلماته ، خرجت تنهيدة من قلب نهر يسلك مسارا غريبا عنه ، لم يكن ذلك المجرى مجراه الذي اعتاده ، ولم تكن تلك الصخور التي تواجهه وتمثل العقبات في طريقه السلسبيل الأحجار التي اعتادها دوما ، نعم ، خرجت منه زفرات كالنار في حرّها وحرارتها ، لهيب يحرق الأخضر واليابس ، الماضي والحاضر ، يتمنى الخلاص والعودة إلى مجراه .....

الذكريات تسكن الأعماق ، وتلهب الحنين والأشواق ، تبعث الحياة في الرفاة وتنشر الأمل في الآفاق ، لم ولن تغيب عن بالي مهما حدث ، وكيف لي أن أنساها ؟ أينسى الشيخ أيام الصّبى؟ أم تنسى الأم أبناءها؟ إنها ثمرة الماضي ونور الحاضر وبذرة المستقبل التي أتمنى أن أراه وأستمتع بثماره بين أهلي ورفاقي.

آآآآآه ويا ويلاه الحنين يمزق أضلعي ، والشوق يكوي جوانبي ، لم أعد أحتمل كل هذا العناء ، لم أعتده قط ، وهل لي أن أكون متبلد الشعور و الإحساس؟ هل من سبيل إلى التخلي عن النفس والأهل والدار؟

هكذا أخذ يحيى يحدث نفسه وكأنّ جبل الطور سقط عليه فجعله سرمدا ، أنّ أنينا موجعا وتنهد بحرارة شديدة كادت تذيب طيات جليد القطب الشمالي ، لم يكن يعلم أن فراقه الأهل والوطن سيكون صعباً هكذا.

ثلاث سنوات؟! أهي حقا ثلاث سنوات؟ لا ، لا يمكن ذلك ، أمرت عليّ تلك السنون دون مطالعة الفجر من فوق سطح المنزل ، أرقب الشروق والغروب وأنا أعتلي قمته ، يا لحلاوة صوت الشيخ يوسف ويا لعذوبة أذانه! ، لقد كنت هناك ، نعم ، كان الصوت يوقظني كل يوم من نومي ، كنت أغضب ، يا لوقاحتي! أكنت أغضب منه؟ كنت مخطئاً في حق نفسي وحقه أيضا ، أسمع صيحات الديك وهو يشدو فيملأ الدار بهجة وسروراً ، زقزقة العصافير ترسل الحياة في النفوس وتضفي على أهل المنزل الحبور ، صوتها العذب كعندليب يغني على ألحان بيتهوفن ، بل أفضل بكثير من ذلك ، وكيف لا تكون أفضل من ذلك وهي من صنع الله الخالق البديع الجبار القهار؟
نسمة الهواء ، حفيف النخيل والأشجار تملأ البهجة والسرور في الأرواح وترسل الأمل في الأحياء والأرجاء ، صلاة أمي ودعاؤها ، تسبيحها المشابه لتسبيح العصافير والأشجار والأزهار ، قراءة الأذكار وتلاوة القرآن ، إفطار الصباح وسندويتشات المدرسة ، جلوس أبي في شرفة المنزل ومتابعة الأخبار والجريدة في يده.

-         لا يا أمي لا أريد الآن ، أرجوكِ ، خمس دقائق فقط.
-         هيا يا بني ، انهض يا يحيى ، سوف يفوتك الإفطار وتتأخر عن المدرسة.
-         لا تقلقي ، سآتي ..... سآتي.
-         لا تتعب قلبي أيها الكسول.
-         ههههه ، قادم ، قادم.

تترقرق عينا يحيى بالعَبرات ، فتجري الينابيع على الصحراء المقفرة شاحبة اللون وكأن السيول والفيضانات أخطأت الطريق وسالت في الأراضي المقفرة الجدباء كثيرة التعرجات ، يكتم ما يشعر به في داخله ولكن بلا فائدة ، فالمستور قد انكشف وبدت الزفرات الحارة تسلك طريقها في صدره ، الآن آن أوان خروجها ، حان وقت رحيلها عن تلك الروح البائسة ، كانت محبوسة في سجن بلا أقفال ، بلا أبواب ولا حراس.

 ثلاث سنوات ... ثلاث سنوات لم تر فيها النور ، أسرعت التنهّدات تعتلي الصدر لتشعره بالضيق والضنك أكثر مما هو عليه الحال ، يتألم ويتوجع ، مع كل ما هو عليه الحال ولكن ، ثمة عشب أخضر يظهر من بعيد على الصحراء الجرداء ، عشب يهدئ من روع الناظرين له ، ينشر الأمل في علامات النيم ، شقت وجهه ابتسامة عندما تذكر أيام صباه فأخذ يتأوه:
  ياااااااااه ، كم كانت أياماً رائعة ، لم أشعر بقيمة كل ذلك إلا وأنا في وحشتي ، أكنت هناك ؟!.......... أكانت حياتي تجري هكذا؟! ......... لا ، لا ، ... لا يمكن أن أكون ضيّعت كل ذلك وسقط من بين يديّ ولم أشعر به.

كم كنت مخطئا في قراري هذا ، أيمكن استبدال رضاء أمي وحنان أبي وشقاوة إخوتي وأيام الطفولة والأيام الحلوة والأيام المرة على السواء ورفقة أبناء الجيران وأصدقاء الدراسة وزملاء المقعد وطيبة الأهل و..... بقسوة الغربة ومرارة العيش ووحشة الدور وحرمان الحنان والعذاب والحيرة؟
لقد كنت مغفلا حين اعتقدت أنني على الحق والصواب وأن المال سبيل العيش والحياة ، عندما اتخذت المال غاية والعذاب والحيرة والفراق ولوعة الاشتياق وسيلتها ، لم آبه بما أملاه عليّ والدي ، لم أعر بكاء أمي وحرقتها لفراقي اهتماما ، كنت مخطئاً ... كنت مغفلاً ... عشت الحياة ( سبهللة ) بلا هدف أو فائدة ، الآن عانيت من غروري وكبريائي ..... من تهوري وقنوطي ..... من جزعي وقلة صبري.

حنت أمي عليّ ولم تقس أبدا فقابلت حنانها وحنوها عليّ بالقسوة ، و أسقيتها من كأس المرارة واللوعة والفراق والاشتياق ... رويت ظمأها بماء البحر بدلا من ما كانت تستحقه من ماء الأنهار الصافي  السلسبيل ... وأطلقت الزوابع والزفير الحار عليها حينما طلبت مني الهواء العليل ، تمنت أن تراني إلى جوارها وتفتخر بكوني شيئا في يوم من الأيام ولكنني ... ولكنني خيبت أملها وضيعت صبرها وتركتها في حال كان علي أن أكون تحت قدمها فيه ، كنت قاسي القلب متبلد الحس والشعور ، غريب الأطوار متنكراً للجميل عابثاً بالحياة والصبر والسرور ... صادقني أبي فقابلت مصاحبته بالتشتت والبعد عنه وسوء الأدب ، واتخذني رجلا للبيت من بعده فطغيت على إخوتي وقسوت عليهم ... أصبحت في نظر نفسي الكبير المهاب ، ونظر الباقين الصغير الحقير المهان فقير العقل وجاحد القلب ...... جحدت بما تعلمت من القرآن الكريم ولم أنفذ ما حفظت وما تربيت عليه دائماُ ، لم أوقن أنّ عليّ اتباع قوله - تعالى - : " أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير "(1).

والآن عرفت لماذا أنا هنا ..... لماذا التألم والتوجع يملأ أعماقي ..... لمَ كان عليّ أن أُطعم نفسي كأس المر الذي أسقيت أهلي منه ..... ولكن ، أيكون ذلك نقطة في بحر العذاب والمر الذي عانت منه أسرتي؟ لا والله ، لن يكون أبداً ، فأنا لا أستحق الحياة ، لم أهتم إلا بنفسي وذاتي ، حرصت على نفسي وأحببتها ، فكرهني الناس واستحقروني ولم يأبه أحد بما أشكو منه ، كرهوني ... نعم ... كرهوني ، ولكن لهم الحق في ذلك ، الحق كل الحق لهم ، لقد أصبحت أكره شخصيتي ، أشعر بالجبن والقسوة في ذاتي .... يكمن الخوف والخجل و ذميم الخصال في نفسي.
ولكن .... ليس بعد الآن ، لن أرحل عن أهلي وأترك أسرتي بعد معرفتي لقيمتهم وقدرهم ومنزلتهم ، القرآن الكريم أخبرني بذلك فكنت أسوأ من الأصم وأدهى وأمر من الأعمى .... لم ألتفت له ولم أهتم بالأحاديث النبوية الشريفة فأصبح مصيري مصير الأعمى ولو كنت بصيرا ، الأصم ولو كنت أسمع دبيب النمل ، الأخرس ولو كنت طليق اللسان و قوي الحجة والبيان ......

لن أضيّع فمتوثانية من عمري بعد الآن بعد أن عرفت قيمة الوقت ... فهو حقاً كالسيف أو أحد ، هو أهم عنصر لتقدم الأمم ونهضتها ، هو الملاذ الوحيد للرقي ......
لن أغيب عن وطني الحبيب بعد الآن ، بعد أن عرفت قيمته ، بعد أن عانيت فراقه ، بعدما شعرت بالمرارة ، العلقم ، الألم والخوف.....

لقد كان الأسى والحزن هما قوتي ، هما الهواء ، هما الماء ، لم أكن أدري ماذا يحل بي ، كنت كلما تذكرته أبكي ، أخاف ألا أراه مرة أخرى ، أندب حظي .... لم أكن أعلم أن الثمن سيكون غالياً هكذا .... أعيش على أمل اللقاء ، أحسب الأيام والساعات ، لا أريد البقاء ، أتمنى العودة ..... لم أكن أعلم أنه أغلى علي من نفسي ..... إنه وطني .....  وطني لو شغلت بالخلد عنه           نازعتي إليه في الخلد نفسي(2)
وكيف لي أن أنساه؟ ..... آاااااه يا أرض الكنانة ..... يا جنة الله في الأرض ..... يا مهد الديانات السماوية وبوابة العالم إلى القارة السمراء....
شعاع النور والأمل يعانق شمس الحرية شعاع النور والأمل يعانق شمس الحرية Reviewed by Asya El-husseini on 2:24 ص Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

ads

يتم التشغيل بواسطة Blogger.