شعاع النور والأمل يعانق شمس الحرية .. 3

يضرب نفسه ، يتحدث مع الآخرين حتى يوقن بما حدث ، الدنيا ربيع والجو بديع ......... ها هاي الآن استطيع المشي ... الجري ... حتى القفز ، لقد أُطلقت قدماي الآن .... انشرح صدري .... لا أستطيع وصف الحال التي أصبحت عليها الآن ... انطوى على نفسه ، ظن من في الشارع أن شيئاً ما أصابه أسرعوا إليه فإذا به يسجد شاكراً الله - تعالى - أن منّ عليه بالسير على الثرى وتنشق الهواء وشرب الماء الذي عاش عليه طيلة حياته.

أوقف تاكسي ودلّه على مكان منزله القديم ، يخرج رأسه من شباك التاكسي تارةً ويتحرك في مكانه تارةً أخرى وكأنه طفل صغير يحاول استكشاف المكان من حوله .... كم كان منظره مضحكاً فسأله السائق متعجّباً:

-         ( لمؤاخذة يا باشا ، هو في حاجة مضيقاك؟ )
-         ( لا ،لا أبداً بس أصلى كنت غايب عن البلد بقالي كتير. )

( يشرد بذهنه بعيداً يتذكر ما كان يحدث أيام طفولته وصباه وحتى أيام شبابه ، ثم يرجع ثانيةً يتخيّل ما سيكون عليه حال أسرته عندما يرونه ماثلاً أمامهم فجأةً ودون أي مبشّرات أو مقدمات ..... يردد في نفسه :
ياااااااه أخيرا هشوف أمي وأبوس ايديها هيّ وأبويا تاني  .... أموت وأعرف إيه اللي هيحصل أول ما يشوفوني فجأة قدامهم. )

 المنازل ما زالت على حالها منذ أن تركتها ، فلم تتغيّر أبداً هكذا كانت حينما كنت أقضي وقت اللعب مع الرفاق ... وهنا ظهرت شقاوتي مع الأهل والجيران ، على بعد أمتار من منزل العم خالد شاهدنا القمر ليلة البدر لأوّل مرّة ، هنا كان منزل عمرو وأخيه عمر ، هناك تمشيت ذهابا وإيابا إلى المدرسة ومنها عدت ، على كورنيش النيل هذا داعبتُ المياه بقليل من الطّفل ليخصّب الأراضي الزراعية ، عم إبراهيم وابنه إسماعيل بائعا الكشري ، ( الست ) أم هدى جارتنا و صديقة أمي .. لطالما ذهبنا إليها في المناسبات وشاركنا بعضنا الفرحة مع ( الست ) مارجريت أم جرجس ............

أخيرا البيت القديم في نهاية حي شبرا ، انتقلنا إليه بعد أن قضينا فترة في ريف الفيوم ، والآن ألقاه بعد فرقة وغياب وفيه ذكريات طفولتي وأيام سعدي وهنائي.

أنزل السائق حقائب السفر مع يحيى بعد أن استقر بهم المقام أمام المنزل مباشرة ورحل عنه ، وعندها قام يحيى بدق جرس الباب فإذا بأمه تضع يدها على قلبها وتقول من يمكن أن يأتي إلينا بدون ميعاد ، استر يارب.
تفتح بلقيس الباب فترى أخاها الأكبر ماثلاً أمامها وهو يقول لها : لقد كبرتِ كثيراً يا بلبلة ، عندها علمت أنه أخوها الذي سافر وهي لم تكمل الرابعة من عمرها فصاحت : أمي ..أمي ، لقد تحقق حَدثكِ عاد يحيى يا أمي لقد عاد حبيبك وقرة عينك...

ما أصعب اللقاء بعد الفراق ...... ارتمى الابن بين يدي أمّه والدموع تسيل من مقلتيه لا يستطيع السيطرة على نفسه ، كالطفل الضائع الذي وجد أمه بعد عناءٍ ومشقّة ، جاء الأب وحضر الإخوة فإذا بهم يقبّلونه ويربّتون على كتفيه ، ناشدهم ورجاهم أن يسامحوه على ما ارتكب في حقهم من أخطاءٍ وأفعالٍ مشينة ، عاتب نفسه أمامهم أنه استخدم الحرية المطلقة التي أعطاها له والده والحنان الفيّاض الذي أغدقت عليه أمّه به بالقسوة والجحود ، نعم ، لقد جحد كثيراً وأخطأ في حق الكبير والصغير على السواء ، وعدهم أن يغيّر من نفسه وأن يكون الشخص الذي طالما أملوه ورجوه من هذه الدنيا ، فانشرح صدر والده واستبشرت أمّه بالخير ولكن منذ تلك اللحظة وهي أصبحت قلقة عليه ، شعرت أنّ شيئا ما سوف يحدث ، ولكن ... أخفت قلقها وأبدت حبها وحنانها وفرحتها برجوع زهرة عمرها ونور عينها ......

وفي المساء جاء الأصدقاء والأحباب من كل حدب وصوب ، أتوا يهنّئون ويباركون رجوع الابن الغائب من سفره رجل بار يخاف الله ولا يترك فرضا حتى يصلّيه في المسجد مع أبيه وإخوانه الصغار.
تقبل الوفود من الجيران وتروح تدخل النساء فتُسمع صوت الزغاريد ( لو لو لو لو لو لي ، حمد الله على السلامة رجوع يحيى سالم غانم يا أم يحيى ) هكذا استقبلت أم يحيى - الست زينب - وفود المهنئين فَرحة مسرورة بوجه بشوش ، بعد أن كان الحزن يخيم على وجهها وكأنّ خيوط العنكبوت ترسم الشقاء والتعاسة على تجاعيد وجهها البائس الحزين.

كم كانت فرحتها به وهو مقبل عليها من بعيد تكاد تسمع دقّات قلبه ونبضاته ، عاد ولكن دون حقد أو عصيان ، دون غضب ، عاد كأنّه ولد من جديد ، لقد كوته نار الغربة وغسلت نفسه الطاهرة من حوائج الدنيا ولذاتها وبهرجها .....

لم يهدأ له بال إلا حينما وجد فرصة عمل جديدة ، كان يعمل نهاراً بكد وعناء وتعب ، ويأتي آخر الليل يقبل يدي والديه و يذهب إلى فراشه لا يفارقه حتى حلول الفجر ، استمر على هذا الحال ، يساعد المحتاجين ويعين الفقراء و المساكين ، وهب حياته لخدمة الناس ويا له من شرف عظيم لا يقدر عليه إلا كل صبّار حكيم.

ذهب إلى والدة نظمي صديق غربته وأليفه السيئ هدّأ من روعها وسألها عما تحتاج لأنها كانت ضريرة من كثرة البكاء والحرقة على فلذة كبدها ، كانت هي الأب و الأم لوحيدها بعد وفاة أبيه في حرب أكتوبر 1973 كانت مستعدة للتضحية بروحها فداءً له ، بذلت في سبيل تربيته الغالي والنفيس حتى وصل إلى مرحلة شبابه التي فارقها فيها ، كانت تشعر بالذنب وتأنيب الضمير تجاهه ... فهي من ربّاه تلك التربية ، علّمته أفضل تعليم وأنفقت عليه من عرق جبينها حتى يصبح أمانها وحمايتها ولكن شتّان بين ما تريده وبين قضاء الله وقدره ، كانت تجوع وتصوم حتى توفر له الطعام الجيد ، تتحمل برد الشتاء لتوفير ثمن ( الجاكيت ) الذي يريده وإن كان فوق طاقتها ، كانت و كانت وكانت ..... ولكنها الآن تتمنى أن يعود بها الزمان حتى تربيه من جديد على القناعة والرضا ، هكذا تفعل الدنيا بنا ، كانت الكلمة الدائمة على لسان الست كوثر أم نظمي.

شعرت بالاختناق ... تمنت لو أن الأرض تنشق وتبلعها ... كادت تشق ملابسها من الألم والحزن ، قامت من مكانها المعتاد ... وهي الضريرة طريحة الفراش ... أخذت تكسّر هنا وهناك ... ترمي بأثاث المنزل فتهشّمه والدواء ليحل الداء بها ولا يزول أبدا عندما علمت بأنّها كانت آخر من نطق اسمه ، كانت آخر من فكّر فيه وتمنى رؤيته وهو بين يدي ملائكة الموت ، تسمع صوته في كل مكان ، له ذكريات في كلّ ركن من أركان البيت ..... وكيف لها أن لا تفعل ذلك وهو فلذة كبدها ، وونيسها في الحياة ، اللؤلؤة التي كانت تخاف عليها من أعين الناس كافة ..... الوردة ذو الرائحة الجذابة ..... هي من علمه ذميم الصفات بجهلها وقلة حيلتها وفقر ذكائها.

حينها أدركَت كم كان والدها محقّاً عندما أجبرها على التعليم ولكن لم تستمع له ولم تأبه بما يقول ، وقتها أيقنت أن العلم نور حقا لا يعطى إلا لكل راغب وباحث ، كل آمل فيه شديد الرغبة والتعلق به ، يعطي العلم أكثر مما يعطيه وعندها لن يبخل عليه العلم بمطالبه وإن كانت كثيرةً.

ولكن .......... وااااأسفاه ، لقد علمت ذلك بعد فوات الأوان بعدما ضاع الفؤاد وذهب قرة العين وانتقل إلى دار الحق بجوار ربه ، وأخذت تردد في حرقة ولهفة وأنين ليس له مثيل: يا حرقة قلبي عليك يا منية القلب.


أكمل الشاب الجديد يحيى رحلته في مساعدة من يحتاجون العون ، وكوّن صحبة جديدة ( دلّوه ) على أوجه الخير وساعدوه في نشره.
شعاع النور والأمل يعانق شمس الحرية .. 3 شعاع النور والأمل يعانق شمس الحرية .. 3 Reviewed by Asya El-husseini on 2:26 ص Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

ads

يتم التشغيل بواسطة Blogger.