مدن آسيوية

**... مدينة خوارزم ...**


خـوارِزم هو الاسم القديم لمدينة خيوة التي كانت تابعة لإقليم خراسان، وتقع اليوم في أوزبكستان، وتعد خوارزم من أقدم مدن آسيا الوسطى، ويرجع تاريخها إلى أقدم العصور، وقد شهدت قيام الدولة الخوارزمية الكبرى التي قضى عليها جنكيزخان، وفي أوائل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وقعت خوارزم تحت حكم الشيبانيين، ثم الفرس، ومنذ سنة 966هـ/ 1558م عرفت عاصمتها باسم "قيات أو كادث"، كاث "أوركنج"، ثم "خيوة"، إلى أن ألحقت بالاتحاد السوفيتي، ووزعت بين جمهوريتين هما: أوزباكستان وتركمانستان، وذلك بعد هجوم الروس عليها، وخلعهم لخان خيوة "السيد عبد الله خان بهادر" في سنة 1343هـ/ 1924م.
· دخول الإسلام:ووصل الإسلام إلى خوارزم منذ القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي فقد فتحها قتيبة بن مسلم الباهلي سنة 88هـ/ 706 م من ضمن ما فتحه من أقاليم ما وراء النهر مثل: بيكند وبخارى وسمرقند ونسف والشاش وفرغانة والصغد وأسروشنة. وتعد مدينتا "كاث" التي تقع على الجانب الشرقي (التركي) من نهر جيحون، والجرجانية التي تقع على الجانب الغربي (الفارسي) من النهر، من أهم مدن خوارزم ذات الحضارة. أما مدينة كاث، فقيل: إنها بلدة كبيرة من نواحي خوارزم، وهي مازالت قائمة، ولكن كاث التي كانت موجودة في العصور الإسلامية الوسطى، ربما كانت تبعد بضعة أميال من المدينة الحديثة؛ لأنه حدث في القرن الرابع الهجري- العاشر الميلادي فيضان كبير في نهر جيحون، فدمر المدينة، فأقام الناس مدينة جديدة إلى الشرق من المدينة الأولى على مسافة من جيحون يقيها من عواقب فيضانه، وكان الفرس يسمون المدينة الجديدة "شهرستان" أي القصبة، وكان بها جامع وسط الأسواق. ومن مطلع القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي، وقعت المدينة في قبضة المغول، ولكنها لم تعان كثيرًا من دمار الغزو المغولي مثل بقية مدن آسيا الوسطى. وفي القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، حين زارها ابن بطوطة، وهو في طريقه من الجرجانية أو "أوركنج" إلى بخارى، فكتب اسمها "الكاث"، وقال عنها: "إنها بلدة صغير حسنة فيها بركة ماء كانت وقت زيارته لها جمدت من البرد، فكان الصبيان يلعبون فوقها، ويتزلّقون عليها".
· نهضة خوارزم:أما مدينة الجرجانية أو "كركانج أو أركنج أو أوركنج"، فقد سماها العرب الجرجانية، وكانت تعد درة إقليم خوارزم الثانية، وكانت في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي المدينة الثانية لهذا الإقليم؛ لأن مدينة "كاث" على الرغم من فيضان النهر عليها وتخريبه إياها، كانت مازالت هذه المدينة هي المدينة الثانية البارزة في إقليم خوارزم، ومتجر البلاد ففيها مجتمع القوافل التالية من بلاد الترك، ومنها تخرج إلى إيران وبتدهور كاث أصبحت الجرجانية أولة مدن خوارزم، وكانت تعرف بوجه عام بمدينة خوارزم. وقد زار ياقوت الحموي (الرحالة والأديب العربي) الجرجانية في 616 هـ/ 1219م، أو "أوركاكانج" على ما سماها به قبيل الغزو المغولي للمدينة، وقال الحموي عنها: "لا أعلم أني رأيت أعظم منها مدينة ولا أكثر أموالاً، وأحسن أحوالاً، ثم دمرها المغول سنة 617هـ/1220م، وطمسوا معالمها، وقتلوا الكثير من أهلها". ولكن في سنة 628هـ/ 1231م، ابتنى الناس مدينة جديدة قريبة من الجرجانية تعرف بكركانج الصغرى، وسماها الفرس "كركانجك" على نحو من 15 كيلو متر تقريبًا من الجرجانية، أو كركانج الكبرى. ويظهر من كلام الحموي عن خوارزم قبيل الغزو المغولي للمدينة رقي الحياة الحضرية في المدينة، وتمتعها برقعة زراعية كبيرة، وكان تجار خوارزم يزاولون نشاطهم التجاري ونفوذهم في أماكن متفرقة من آسيا الوسطى التي كانوا يتعاملون معها من قبل.

ومنذ القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، أصبحت خوارزم "كركانج" من أعظم مراكز الحضارة الإسلامية في آسيا الوسطى، فعندما زارها ابن بطوطة قال عنها: "هي من أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها، لها أسواق مليحة، وشوارع فسيحة، والعمارة الكثيرة، والمحاسن الأثيرة، وهي ترتج بسكانها لكثرتهم وتموج بهم موج البحر.. ولم أر في بلاد الدنيا أحسن أخلاقًا من أهل خوارزم، ولا أكرم نفوسًا، ولا أحب في الغرباء، ينتشر في أنحائها الزوايا والمساجد والمدارس والمدرسون الذين يعملون فيها، وكذلك المؤذنون والوعاظ والمذكرون، وكذلك الفقهاء والقضاة الذين يحكمون في القضايا الشرعية، وما كان من سواها حكم فيها الأمراء، وأحكامهم مضبوطة عادلة؛ لأنهم لا يتهمون بميل، ولا يقبلون رشوة".
· النهضة التيمورية:
ومع نهاية القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، دخلها تيمورلنك بعد حصارها قرابة ثلاثة أشهر، إلا أنه أمر بتجديد عمارتها، فكمل ذلك في سنة 790هـ/ 1388م، فازدهرت المدينة. ويشتهر أهل المدينة بأنهم أصحاب حرف، فمنهم الحدادون والنجارون، وكان السكاكون يعملون الآلات من العاج والأبنوس، وكان لا يصنع إلا في خوارزم، وتحديدًا في قرية يقال لها: "طرق" من أعمال أصفهان..كما يتميز نساء المدينة بأنهن مبدعات في أعمال التطريز والحياكة. وإلى جانب شهرة خوارزم بالعمارة والصناعة، فقد اشتهرت المدينة بالزراعة، فهي تتميز بتنوع محاصيلها بين فواكه وحبوب.

أما عن التجارة، فقد كانت كركانج من كبرى مدن آسيا الوسطى على الطريق التجاري بين غرب آسيا وأوروبا وبين الشرق الأقصى. ومن أهم مدن خوارزم مدينة "هزاراسب" التي تعني بالفارسية "ألف فارس"، وهي في اتجاه خيوة، إلا أنها أقرب إلى ضفة نهر جيحون اليسرى، وهي مدينة ذات مكانة رفيعة، حيث استطاعت أن تحتفظ باسمها دون تغيير منذ الفتح الإسلامي حتى الآن، وقد كانت مدينة مزدهرة، فقد قال عنها ياقوت الحموي حين زارها سنة 616هـ / 1219م: "هي قلعة حصينة، ومدينة جيدة، فيها أسواق كثيرة، وبزازون وأهل ثروة". كما كانت مدينة "الطاهرية"، وهي ناحية جيحون، بينها وبين هزاراسب ثلاث مدن على ضفة جيحون اليسرى، وكانت ذات شأن في العصور الإسلامية الوسطى. ومدينة "درغان"، وهي تقارب الجرجانية "كركانج" كبرا، وكانت درغان أول مدينة عظيمة في خوارزم تقوم على الطريق التالي من مرو بخراسان.
· أبرز علمائها:يعد محمد بن موسى الخوارزمي، صاحب كتاب "المختصر في حساب الجبر والمقابلة" من أوائل علماء الرياضيات المسلمين، ومن أبرز علماء خوارزم، حيث ساهمت أعماله بدور كبير في تقدم الرياضيات في عصره. ويرجع إلى الخوارزمي الفضل في ابتكار مفهوم الخوارزمية في الرياضيات وعلم الحاسوب، (مما أعطاه لقب أبو علم الحاسوب) عند البعض، حتى إن كلمة خوارزمية في العديد من اللغات (ومنها algorithm بالإنجليزية) اشتقت من اسمه، بالإضافة لذلك قام الخوارزمي بأعمال هامة في حقول الجبر والمثلثات والفلك والجغرافية، ورسم الخرائط، وأدت أعماله المنهجية والمنطقية في حل المعادلات من الدرجة الثانية إلى نشوء علم الجبر، حتى إن العلم أخذ اسمه من كتابه حساب الجبر والمقابلة.


مدن آسيوية مدن آسيوية Reviewed by Asya El-husseini on 12:59 ص Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

ads

يتم التشغيل بواسطة Blogger.